
تلقى المدعي العام الفرنسي في العام 1901 رسالة من مجهول مفادها : “ السيد المدعي العام: يشرفني ان ابغلك عن امر بالغ الاهمية , الا و هو عن فتاة محبوسة في منزل السيدة (مونييه) اذ انها تعيش في وسط القذارة و تكاد تموت جوعا منذ 25 سنة .”
سر أكتشافها كان الخدم وبعض زوار العائلة يسمعون بين الحين والاخر صرخات وأهات يردد صدها جنبات القصر ولا احد يعلم مصدرها لذلك اشيع بأن القصر مسكون بالاشباح ..
المدعي العام وجد صعوبة في تصديق ما تضمنته الرسالة ، فالسيدة مونييه ، أو بالأحرى الأرملة لويز مونييه ، كانت من وجوه المجتمع الباريسي الراقي ، وزوجها أميل مونييه كان شخصا بارزا شغل منصب عميد كلية الفنون لسنوات قبل وفاته ، أما أبنها مارسيل فكان حقوقيا محترما أمضى ردحا من حياته كمحافظ لإحدى المدن الفرنسية .
كتب الضابط المسؤول في تقريره ان ذاك كالتالي : ” حالما دخل الضوء من النافذة لاحظنا وجود امرأة في مؤخرة الغرفة وهي تقبع فوق سرير وتغطي رأسها وجسدها بلحاف قذر ، وقد تم التعرف عليها بأنها الآنسة بلانش مونييه . المرأة المسكينة كانت ترقد عارية تماما فوق ذلك الفراش من القش العفن ، وحولها كانت توجد بقعة كبيرة من البراز وبقايا الطعام من لحوم وخضروات وسمك وخبز عفن ، حتى أننا رأينا صدف المحار ، وكانت هناك حشرات تجري فوق الفراش . الهواء كان ثقيلا لا يطاق ، تنبعث منه رائحة كريهة خانقة بحيث أننا لم نتمكن من البقاء لفترة طويلة من اجل إنهاء تحقيقنا ” .
تم جلب الامرأة الى المستشفى على الفور حيث تم اطعامها و تغسيلها و تبين انها ابنة السيدة “مونييه” و تدعى “بلانش” . اصبحت الفتاة العشرينية امراة تبلغ من العمر 49 سنة و تزن 27 كيلوجرما . مستلقيتا على فراش المستشفى و تتنشق الهواء النقي لاول مرة منذ 25 سنة .
وهكذا يكشف أخيرا سر عائلة مونييه الرهيب .. فابنتهم التي زعموا بأنها مختفية منذ ما يزيد على العشرين عاما اتضح بأنها لم تغادر المنزل أصلا ، طوال تلك السنوات كانت الفتاة المسكينة حبيسة غرفتها تعيش وسط كومة من القاذورات وفي ظلام دامس . كان جسدها متسخا وشعرها طويل جدا وعظامها تكاد تفر من جسدها لشدة هزالها إذ بالكاد كانت تزن 25 كيلوغرام .
كان منظرها الآنسة بلانش مروعا ومخيفا فظن رجال الشرطة بأنها تحتضر وقاموا بلفها بلحافها القذر ثم هرعوا بها إلى المستشفى ، وفي هذه الأثناء كانت أمها ، السيدة لويز مونييه ، تجلس بهدوء وبرود كبير في البهو الكبير وهي تطرز قطعة قماش غير آبهة بما يجري من حولها .
ابلغت بلانش السلطات ان والدتها حبستها عندما الحت على الزواج من محامي فاشل و هو الامر الذي اغضب السيدة “مونييه” . فقررت حبسها الى ان تعدل عن قرارها و على الرغم من وفاة المحامي في العام 1885 الا ان “مونييه”استمرت بحبس ابنتها لخمسة عشر سنة اضافية لتصبح في طي النسيان.
خفايا قصة الآنسة بلانش مونييه بدأت تتكشف للشرطة والصحافة شيئا فشيئا . خيوط القصة تعود إلى ما يزيد عن الربع قرن ، تحيدا عام 1875 ، في تلك الفترة كانت بلانش تعيش مع جدتها ، وكانت تلك الجدة امرأة طيبة القلب إلى أبعد الحدود وتحب حفيدتها حبا بلا حدود ، كانت أقرب إليها من أمها ، فهي التي ربتها بسبب انشغال والد الفتاة بعمله في باريس واصطحابه الدائم لزوجته معه .
تلك الفترة كانت الأسعد والأجمل في حياة بلانش التي كانت آنذاك شابة حسناء في العشرينيات من عمرها بشعر يحاكي الليل في سواده وعيون فاتنة تضاهي البحر في زرقتها وصفاءها ، كانت فتاة ذكية تتقد حيوية ، وبمباركة جدتها تعرفت على محامي وسيم يكبرها بعدة سنوات وأحبته حبا جما . ولم يكن الرجل مخادعا ولا لعوبا ، بل طرق البيوت من أبوابها وتقدم رسميا لخطبة حبيبته . لكنه جوبه برفض قاسي من قبل والدها .
كان والد بلانش كاثوليكيا ثريا ينتمي للطبقة النبيلة ومن دعاة الملكية ، أما المحامي الشاب فكان بروتستانتيا فقيرا من دعاة الجمهورية ، وبسبب هذه الاختلافات الدينية والطبقية والسياسية لم ينل الشاب قبول ورضا أهل الفتاة بل طردوه من منزلهم شر طردة . ومع هذا لم ييأس ، حاول مرارا وتكرارا .. لكن في كل مرة كان يجابه بالرفض.
تم القاء القبض على السيدة “مونييه” في اليوم التالي و تجمع حول زنزانتها جمع من الغاضبين ي و هو الامر الذي سبب لها سكتة قلبية فتوفيت في مشفى السجن بعد 15 يوما. تم اسقاط التهم على اخ “بلانش” حيث لم يتم ثبوت تورطه باي عمل ضد “بلانش” التي عاشت ما تبقى من حياتها في علاج نفسي مستمر الى ان توفيت في العام 1913 .
لم يتم التاكد من هوية مرسل الرسالة المجهول الا ان بعض التكهنات تقول ان اخ “بلانش” تخوف ان تشير اصابع الاتهام اليه في حال موت والدته بينما تقترح تكهنات اخرى الى ان احد اصدقاء الخادمات قام بكتابة الرسالة الى المدعي العام و انقذ حياة الانسة “بلانش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق